الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
291
مناهل العرفان في علوم القرآن
من أن تفوت هذه الفرصة السانحة لدعوتهم . فأنزل اللّه على رسوله تلك الآيات السالفة ، يعاتبه فيها ذلك العتاب القاسى الخشن ، ويفهمه أن حرصه على الهداية ما كان ينبغي أن يصل به إلى حد الإقبال الشديد على هؤلاء الصناديد وهم عنه معرضون ، ولا إلى حد الإعراض العابس في وجه هذا الضعيف الأعمى وهو عليه مقبل . وكأني بك تحس معي حرارة هذا العتاب . وذلك لتقرير مبدأ من المبادئ العالية ، هو الإعراض عن المعرضين مهما عظم شأنهم ، والإقبال على المقبلين مهما رق حالهم وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ . وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا . وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ولعلك تلمح معي من وراء هذا العتاب ، رحمة الرسول بأعدائه وإخلاصه لدعوته ، وتفانيه في وظيفته ، وحرصه على هداية الناس أجمعين . زاده اللّه شرفا على شرفه وعزا على عزه آمين . الوجه التاسع ما نزل بعد طول انتظار ومعنى هذا أن في القرآن آيات كثيرة تناولت مهمات الأمور ، ومع ذلك لم تنزل إلا بعد تلبث وطول انتظار . فدل هذا على أن القرآن كلام اللّه لا كلام محمد ، لأنه لو كان كلام محمد ما كان معنى لهذا الانتظار فإن الانتظار في ذاته شاق وتعلقه بمهمات الأمور يجعله أشق ، خصوصا على رجل عظيم يتحدى قومه بل يحدى العالم كله ! . ولبيان هذا الوجه نمثل بأمثلة خمسة : ( أولها ) حادث تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، نزل فيه قول اللّه تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها . فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فأنت تفهم معي من هذه الآية أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم